الشيخ محمد هادي معرفة

444

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

الصوفيّ نفسه حتّى يصل إلى درجة تنكشف له فيها من سجف العبارات هذه الإشارات القدسيّة ، وتنهلّ على قلبه من سحب الغيب ما تحمله الآيات من المعارف السبحانيّة . ثانيا : أنّ التفسير الصوفيّ النظريّ ، يرى صاحبه أنّه كلّ ما تحتمله الآية من المعاني ، وليس وراءه معنى آخر يمكن أن تحمل الآية عليه . أمّا التفسير الفيضيّ الإشاريّ فلا يرى الصوفيّ أنّه كلّ ما يراد من الآية ، بل يرى أنّ هناك معنى آخر تحتمله الآية ، ويراد منها أوّلًا وقبل كلّ شيء ، وذلك هو المعنى الظاهر الذي ينساق إليه الذهن قبل غيره « 1 » . * * * لكنّا لا نرى تفاوتا في تفاسير الصوفيّة ، سوى الشدّة والضعف في تأويلاتهم التي يتكلّفونها حسب أذواقهم وسلائقهم ، بلا استناد ولا أساس ، وكلّها معدود من التفسير بالرأي المقيت . إذ لم نر من استند منهم على مقدّمة علميّة ولا برهان واضح ، سوى سوانح وخواطر عارضة ، يحسبونها إشراقات جاءتهم من مكان عليّ ، وليس سوى ادّعاءات فارغة غير مستندة إلى ركن وثيق . . وكلّ يدّعي وصلًا بليلى * وليلى لا تُقرّ لهم جوابا نعم هناك منهم من يحاول الجمع بين الظاهر والباطن ، تأليفا بين الشريعة والطريقة ، كالقشيريّ في تفسيره ، ومنهم من يقتصر على الباطن معرضا عن الظاهر ، إمّا منكرا له كالباطنيّة المحضة ، أصحاب الحسن السبّاح ، وهم الملاحدة ، وعلى نظيرهم الخوارج والقرامطة . وكذا بعض تفاسير الصوفيّة ممّن اقتصروا على محض الباطن ، كمحيي الدين ابن عربيّ في تفسيره الباطنيّ المنسوب إليه . لكنّه مع ذلك لم ينكر الظواهر ، وقد فسّر القرآن أثناء كتبه تفسيرا آخر حسب الظاهر المعروف « 2 » . ومثله تفسير أبي محمّد الشيرازيّ عرائس البيان جرى في تفسيره على نمط واحد هو

--> ( 1 ) - . المصدر نفسه ، ص 352 . ( 2 ) - . جمعه محمود الغرّاب من علماء دمشق المعاصرين حسبما نذكر .